ابن عجيبة
93
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : واذكر إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى بعد رفعه إلى السماء ، أو يقوله له يوم القيامة ، وهو الصحيح ، بدليل قوله : قالَ اللَّهُ هذا إلخ ، فإن اليوم الذي يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ هو يوم القيامة ، فيقول له حينئذ : أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ يريد به توبيخ الكفار الذين عبدوه وتبكيتهم ، وفيه تنبيه على أن من عبد مع اللّه غيره فكأنه لم يعبد اللّه قط ، إذ لا عبرة بعبادة من أشرك معه غيره . قالَ عيسى عليه السّلام مبرءا نفسه من ذلك وقد أرعد من الهيبة : سُبْحانَكَ أي : تنزيها لك من أن يكون لك شريك ، ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ أي : ما ينبغي لي أن أقول ما لا يجوز لي أن أقوله ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ، وكل العلم إلى اللّه لتظهر براءته ؛ لأن اللّه علم أنه لم يقل ذلك ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي : تعلم ما أخفيته في نفسي ، كما تعلم ما أعلنته ، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك ، سلك في اللفظ مسلك المشاكلة ، فعبّر بالنفس عن الذات . إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ لا يخفى عليك شئ من الأقوال والأفعال . ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ وهو عبادة اللّه وحده ، فقلت لهم : اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ، وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي : رقيبا عليهم ، أمنعهم أن يقولوا ذلك أو يعتقدوه . ما دُمْتُ فِيهِمْ ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي بالرفع إلى السماء ، أي : توفيت أجلى من الأرض . والتوفى أخذ الشيء وافيا ، فلما رفعتنى إلى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ أي : المراقب لأحوالهم وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ : مطلع عليه مراقب له . إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وأنت مالك لهم ، ولا اعتراض على المالك في ملكه ، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا العذاب ، أي : لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، فلا عجز ولا استقباح ، فإنك القادر والقوى على الثواب والعقاب بلا سبب ، ولا تعاقب إلا عن حكمة وصواب ، فإن عذبت فعدل ، وإن غفرت ففضل ، وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد ، فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد والتعليق بأن . قاله البيضاوي . وقال ابن جزى : فيه سؤالان : الأول : كيف قال : إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ وهم كفار ، والكفار لا يغفر لهم ؟ فالجواب : أن المعنى تسليم الأمر إلى اللّه ، وإنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه ؛ لأن الخلق عباده ، والمالك يفعل ما يشاء ، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار ، وإنما يقتضى جوازها في حكمة اللّه وعزته ، وفرق بين الجواز والوقوع ، وأما على قول من قال : إن هذا الخطاب وقع لعيسى عليه السّلام حين رفعه اللّه إلى السماء فلا إشكال ، لأن المعنى : إن تغفر لهم بالتوبة ، وكانوا حينئذ أحياء ، وكل حيى معرض للتوبة . السؤال الثاني : ما مناسبة قوله : الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لقوله : إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ، والأليق إن قال : فإنك أنت الغفور الرحيم ؟ فالجواب : أنه لما قصد التسليم له والتعظيم ، كان قوله : ( فإنك أنت العزيز الحكيم ) أليق ، فإن الحكمة